الشيخ محمد رشيد رضا
259
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحبشي فقال : هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا ؟ ( يعني هذا المنافق بالرجل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وان الأوس والخزرج من قومه العرب ينصرونه لأنهم من قومه ، فما الذي يدعو الفارسي والرومي والحبشي إلى نصره ؟ ) فقام اليه معاذ بن جبل ( رض ) فأخذ بتلبيبه ( أي بما على لببه ونحره من الثياب ) ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بمقالته ، فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودي : ان الصلاة جامعة - وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « يا أيها الناس ان الرب واحد ، والأب واحد ، وان الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربي » فقام معاذ ، فقال فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول اللّه ؟ قال « دعه إلى النار » فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل أرأيت لو ظل المسلمون على هذه التربية المحمدية أكان وقع بينهم من الشقاق والحروب باختلاف الجنس واللغة كل ما وقع وأدى بهم إلى هذا الضعف العام ؟ أرأيت لو حافظوا على هذه الاخوة الاسلامية أكانت هذه الفئة من ملاحدة الترك تجد سبيلا لاجتثاث هذه الدوحة الباسقة من جنة حكم الاسلام ، وامتلاخ هذا السيف الصارم من غمده ، والحيلولة بينه وبين كتاب اللّه المعصوم المنزل من عند اللّه باللغة العربية ، وسنة رسوله المصلح لشعوب البشر وهي بالعربية ، لأجل تكوين هذا الشعب وما أدغم ويدغم فيه من الشعوب تكوينا جديدا ، برابطة لغة تخلق خلقا جديدا ، لأجل أن يلحق بالشعوب الأوربية دعيا ، كما يلصق الولد بغير أبيه إلصاقا فريا ، فيقال ان رجلا عظيما جدد أو أوجد شعبا ولغة ودولة ودينا ؟ هيهات هيهات لما يبغون لقد كان هذا الشعب ( الترك ) قائما باسم الاسلام على رياسة روحية يدين لها أو بها زهاء أربعمائة مليون من البشر ، ولو أوتي من العلم والحكمة ما يحسن به القيامة ، ومن الحزم والعزم ما يعزز به القيادة ، ومن النظام ما يحكم به السياسة ، لأمكنه أن يسوس بها الشرق ، ثم يسود بنفوذها الغرب ، كما كان يقصد يقصدنا بليون الكبير لو تم له البقاء في مصر يعترض بعض أولي النظر القصير والبصر الكليل على توحيد اللغة في الشعوب المختلفة بأنه خلاف طبيعة البشر ، ويرد عليهم بان توحيد الدين أبعد من توحيد اللغة عن طبيعة